البغدادي

228

خزانة الأدب ولب لباب لسان العرب

فألحق الكميت الغلام بالهاديات . وأراد « بالهاديات » أوائل الوحش ومتقدّماتها - يقال : أقبلت هوادي الخيل : إذا تقدّمت أوائلها - جمع هادية ، والهادي : أوّل كلّ شيء . وضمير « دونه » يعود على ما عاد عليه الهاء . و « جواحرها » ، أي : متأخراتها - والهاء ضمير الهاديات - وهو جمع جاحرة ، بتقديم الجيم على الحاء المهملة ، يقال : جحر فلان ، أي : تأخّر . و « جواحرها » مبتدأ . و « دونه » الخبر تقدّم عليه ، والجملة حال كما تقدّم ، أي : ودون مكانه ، أو ودون غايته التي وصل إليها ، أو دون بمعنى عند ؛ وقيل : دون هنا بمعنى أقرب . وردّه الزّوزنيّ بأنّه إنما يكون دون بمعنى أقرب منه إذ أتي باسمين ، نحو هذا دون ذاك « 1 » . و « الصّرّة » بفتح الصاد وتشديد الراء المهملتين ، يجوز أن يكون هنا إمّا بمعنى الضّجّة والصّيحة ، وإمّا بمعنى الجماعة ، وإمّا بمعنى الشدّة من كرب أو غيره ؛ وقيل الصّرّة هنا الغبار فقوله : « في صرّة » ، في بعض الوجوه حال من الهاديات ، وفي بعضها حال من جواحرها ، كذا قال الزّوزنيّ « 2 » . ويجوز أن يتعلّق الجارّ في جواحرها . وجملة « لم تزيّل » صفة صرة ؛ وأصله تتزيّل ، بتاءين ، أي : لم تتفرق . وصف بهذا البيت شدّة عدو فرسه ، يقول : إنّ هذا الفرس لمّا لحق أوئل الوحش ، بقيت أواخرها لم تتفرّق ؛ فهي خالصة له . وهذا البيت من جملة أبيات في وصف الفرس ، من معلّقة امرئ القيس المشهورة ، والأبيات هذه « 3 » : وقد أغتدي والطّير في وكناتها * بمنجرد قيد الأوابد هيكل « 4 » مكرّ مفرّ مقبل مدبر معا * كجلمود صخر حطّه السّيل من عل « 5 »

--> ( 1 ) في حاشية الطبعة السلفية 3 / 218 : " العجب أن الزوزني في شرحه للبيت لم يعارض " دون " بمعنى " أقرب " . بل هو لم يثبت غير هذا المعنى . قال : " فهي دونه ، أي أقرب منه " ولعله سهو " . ولم يتعرض التبريزي في شرحه لذلك . ( 2 ) في حاشية الطبعة السلفية 3 / 219 : " لم نر هذا الكلام أيضا عند الزوزني . وانظر الحاشية السابقة . ولعلهما عن شارح آخر غير الزوزني ، كما أنه غير التبريزي " . ( 3 ) معلقة امرئ القيس في ديوانه ص 8 - 39 ؛ وشرح القصائد العشر للتبريزي ص 17 - 94 ؛ وشرح المعلقات السبع للزوزني ص 29 - 80 . ( 4 ) هو الإنشاد العاشر بعد السبعمائة في شرح أبيات المغني للبغدادي 7 / 29 . ( 5 ) هو الإنشاد الثالث والخمسون بعد المائتين في شرح أبيات المغني للبغدادي 3 / 373 .